أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

640

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

المعنى على مثنّى وهو الشاهدان ، فقيل : هو عائد على صنفي الشاهدين . وقيل : بل عائد على الشهود من الناس كلّهم ، معناه : ذلك أولى وأجدر أن يحذر الناس الخيانة فيتحرّوا في شهادتهم خوف الشناعة عليهم والفضيحة في ردّ اليمين على المدّعي . وقوله : « وَاتَّقُوا اللَّهَ » لم يذكر متعلّق التقوى : إمّا للعلم به أي : واتقوا اللّه في شهادتكم وفي الموصين عليهم بأن لا تختلسوا لهم شيئا ؛ لأن القصة كانت بهذا السبب ، وإمّا قصدا لإيقاع التقوى ، فيتناول كلّ ما يتّقى منه . وكذا مفعول « اسْمَعُوا » إن شئت حذفته اقتصارا أو اختصارا أي : اسمعوا أوامره ونواهيه من الأحكام المتقدمة ، وما أفصح ما جيء بهاتين الجملتين الأمريتين ، فتبارك اللّه أصدق القائلين . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 109 ] يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 109 ) قوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ : في نصبه أحد عشر وجها : أحدها : أنه منصوب ب « اتَّقُوا » أي : اتقوا اللّه في يوم جمعه الرسل قاله الحوفي ، وهذا ينبغي ألّا يجوز ، لأنّ أمرهم بالتقوى في يوم القيامة لا يكون ، إذ ليس بيوم تكليف وابتلاء ، ولذلك قال الواحدي : « ولم ينصب اليوم على الظرف للاتقاء ، لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم ، ولكن على المفعول به كقوله : وَاتَّقُوا يَوْماً « 1 » . الثاني : أنه منصوب ب « اتَّقُوا » مضمرا يدل عليه « وَاتَّقُوا اللَّهَ » . قال الزجاج : « هو محمول على قوله : « وَاتَّقُوا اللَّهَ » ثم قال : « يَوْمَ يَجْمَعُ » أي : واتقوا ذلك اليوم ، فدلّ ذكر الاتقاء في الأول على الاتقاء في هذه الآية ، ولا يكون منصوبا على الظرف للاتقاء لأنهم لم يؤمروا بالاتقاء في ذلك اليوم ، ولكن على المفعول به كقوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً . الثالث : أنه منصوب بإضمار « اذكروا » . الرابع : بإضمار « احذروا » . : أنه بدل اشتمال من الجلالة . قال الزمخشري : « يَوْمَ يَجْمَعُ » بدل من المنصوب في « وَاتَّقُوا اللَّهَ » وهو من بدل الاشتمال كأنه قيل : « واتقوا اللّه يوم جمعه » انتهى ، ولا بد من حذف مضاف على هذا الوجه حتى تصحّ له هذه العبارة التي ظاهرها ليس بجيد ، لأنّ الاشتمال لا يصف به الباري تعالى على أيّ مذهب فسّرناه من مذاهب النحويين في الاشتمال ، والتقدير : واتقوا عقاب اللّه يوم يجمع رسله ، فإنّ العقاب مشتمل على زمانه ، أو زمانه مشتمل عليه ، أو عاملها مشتمل عليهما على حسب الخلاف في تفسير البدل الاشتمالي ، فقد تبيّن لك امتناع هذه العبارات بالنسبة إلى الجلالة الشريفة . واستبعد الشيخ « 2 » هذا الوجه بطول الفصل بجملتين ، ولا بعد فإنّ هاتين الجملتين من تمام معنى الجملة الأولى . السادس : أنّه منصوب ب « لا يَهْدِي » قاله الزمخشري وأبو البقاء . قال الزمخشري : « أي : لا يهديهم طريق الجنة يومئذ كما يفعل بغيرهم » . وقال أبو البقاء : « أي : لا يهديهم في ذلك اليوم إلى حجّة أو إلى طريق الجنة » . السابع : أنه مفعول به وناصبه « اسْمَعُوا » ولا بد من حذف مضاف حينئذ لأنّ الزمان لا يسمع ، فقدّره أبو البقاء :

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 48 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 48 ) .